مقال السفير بمناسبة الدورة الثالثة لليالي الفلاسفة

JPEG

"ليالي الفلاسفة: احتفال بالأفكار وبالنقاش"

أي أخلاقية لزمننا؟ هل يجب التخلي عن السيطرة على الطبيعة؟ أية علاقة بين الدين والحداثة؟ ما العمل تجاه صدمات الذاكرة؟ ... هذه بعض من الأسئلة التي تدعونا للتفكر بها ليالي الفلسفة التي تنظم اليوم بالرباط وغدا بالدار البيضاء.

تخلق هذه الليالي التي تعتبر حدثا هاما في العلاقة الثقافية بين فرنسا والمغرب كل سنة اهتماما بالغا. ففي 2015, جذبت هذه الليالي 10.000 شخص بكل من المكتبة الوطنية بالرباط والمعهد الفرنسي بالدار البيضاء. و من المتوقع أن تتحقق هذه الظاهرة هذه السنة أيضا. واستخلصت منها, بصفتي سفيرا لفرنسا لدى المغرب, درسين.

أولهما أن الشباب المغربي, كما الشباب الفرنسي, متعطش للفكر والنقاش. كما هو الحال بالنسبة للشباب في أرجاء العالم, يبحث الشباب هنا عن المعنى والحقيقة. ومن المفرح ملاحظة أنهم يلجؤون إلى الفلسفة. لماذا؟ لأن الفلسفة هي التصميم على إخضاع كل شيء للعقل والنقد إذ إنها ليست امتلاك الحقيقة وإنما البحث عنها. روح الفلسفة هي التواضع. يقول الفيلسوف, كما قال مونتيني, "أدرك أني لا أعرف". فهو يعمل على توضيح وشرح وإعطاء معنى ولكن مع الاعتراف بعدم وجود معرفة نهائية لا خطأ يشوبها, كما لا توجد مدينة فاضلة يمكن خلقها هنا حالا.

نحن في حاجة أكثر من أي وقت مضى لحكمة الفلسفة حتى نضع سدا أمام الدوغمائيات وعدم التسامح الذين يهددان مجتمعاتنا, وللمشاركة في هذه الجبهة الموحدة ضد التعصب التي دعانا إليها جلالة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي يوم 20 غشت الماضي غداة الهجوم الرهيب في نيس.

ثاني الدرسين الذين استخلصتهما من النجاح الباهر لليالي الفلسفة في المغرب هو أنه علينا أن لا نتردد أبدا في أن نكون متطلبين خلال أدائنا مهمتنا في نقل المعارف للأجيال الجديدة. تتطلب الفلسفة التركيز والفضول وانفتاح العقل والقدرة على التمييز والبصيرة ومع ذلك فإنها تغري. يمكننا أن نتمتع بالشعبية دون أن نتخلى عن التميز. يمكننا أن نوجه خطابنا للجميع دون التخلي عن عمق ودقة الخطاب. فهذا الطموح وهذا التطلب هما اللذان يقودان الشراكة الفرنسية المغربية لتكوين الشباب.

المغرب من البلدان التي قررت اختيار تدريس الفلسفة. هذا التساؤل الحر حول وضعنا, دون يقين الأحكام المسبقة و القناعات الموضوعة, يشكل اليوم مصدر إلهام يحتذى به في المملكة كما يشهد بذلك نجاح هذه الحفلة الفكرية الكبرى في الرباط والدار البيضاء. لم نكن ننتظر أقل من بلد يختلط فيه إرث عصر الأنوار العربي بالتيارات الفلسفية للفكر الأوروبي والعالمي.

Dernière modification : 25/11/2016

Haut de page